أحمد بن علي القلقشندي

362

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

كتب به للقاضي « فخر الدين المصريّ » وهو : أمّا بعد حمد اللَّه معيد الحقّ إلى نصابه ، والغيث إلى مصابّه ، واللَّيث - وإن غاب - إلى مستقرّ غابه ، وشرف المكان إلى من هو أحقّ وأولى به ، وبحر العلوم إلى دوائر محافله في الدّروس وإلى قويّ أسبابه ، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد الَّذي هاجر فرجع بغنيمته وإيابه ، وطلع من ثنيّات الوداع طلوع البدر المشرق في أثناء سحابه ، وعلى آله وصحبه الشّائمين سبل صوبه السّالكين سبيل صوابه ، ما قطف من غصون أقلام العلماء ثمر « البيان والتّبيين » متشابها وغير متشابه - فإنّ شرف الكواكب في سيرها ورجوعها ، ونموّ تشعّلها ما بين فترة مغيبها وطلوعها ؛ لا سيّما العلماء الذين يهتدى بأنوارهم ، ويقتدى بآثارهم ، ومصابيح الحقّ التي تقدح ولا يقدح في أزندة أفكارهم . وكان من قصد بهذا التّلويح ذكره ، وعرف من هذا المعنى المفهوم فخره ، قد حمد بمجالس التّصدير بالجامع الأمويّ ما ذكره من سلف أعيانه ، وقام بوجود الدّليل على وجود ماضي برهانه ، وجادل لسانه وقلم يده عن الشّريعة : وغيره من العيّ لا من يده ولا من لسانه ، ثم هجر مكانه هجرة على العذر محمولة ، وهاجر إلى حرم اللَّه تعالى وحرم رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هجرة مقبولة ، ورام بعض الصّبيان التقدّم إلى رتبة الشيخ فقالت : إليك عنّي ، فأنا من مخطوبات الأكابر فما أنا منك ولا أنت منّي ؛ ثم حضر إلى محلَّه الكريم من غاب ، ورجع إلى مستقرّه الأمثل به : وما كلّ حمزة أسد اللَّه فليسكن في ذلك الغاب . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زالت صلات مراسمه جميلة العوائد ، جليلة الفوائد ، وأقلامها أغصانها ممدود بها الرّزق فهي على الوصفين موائد - أن يستمرّ على عادته في كذا وكذا ، وإبطال ما كتب به لغيره : عملا باختبار الحاضر ، واختيار نظر الناظر ، وعلما بأنّ هذه المرتبة لمن له إتقان عقلها